الوصف
يعتبر كتاب “الدولة الأموية” لمؤلفه محمد بن عقيقي الباجوري المعروف بالشيخ محمد الخضري بك (1872م – 1927م)، أحد المؤلفات التاريخية المهمة في هذا السياق، والمؤلف باحث وخطيب وفقيه أصولي ومؤرخ مصري تخرج في كلية دار العلوم من جامعة القاهرة وعين قاضياً شرعياً، ثم أستاذاً للتاريخ الإسلامي في الجامعة المصرية، ثم وكيلاً لمدرسة القضاء الشرعي، بعد ذلك مفتشاً بوزارة المعارف المصرية.
كان أمية بن عبد شمس بن عبد مناف سيداً من سادات قريش في الجاهلية يعادل في الشريف والرفعة عمه هاشم بن عبد مناف وكانا يتنافسان رياسة قريش، وكان أمية رجلاً تاجراً كثير المال أعقب كثيراً من الأولاد والمال وكثرة العصبة كانا في الجاهلية من أكبر أسباب السيادة بعد شرف النسب. وكان لأمية عشرة من الأولاد كلهم ساد وشرف. وقد كان حرب بن أمية قائد قريش كلها يوم الفجار وهو الذي تحمل الديات في ماله حينما دعا الناس إلى الصلح في ذلك اليوم، ورهن لسدادها ولده أبا سفيان، وكان حرب يسمر مع عبد المطلب بن هاشم وقد دامت الألفة بينها طويلاً، وأبو سفيان كان صديقاً مع عبد المطلب. فلم يكن هذان البطنان متعاديين في الجاهلية كما يظنه بعض من لا يدقق في المسائل التاريخية، وإنما كان يظهر في بعض الأحيان شيء من التنافس الضروري وجوده في الأحيان المتقاربة، وقد أشرنا إلى ذلك فيما مضى ولم يكن هذان البطنان مختلفين فيهما به الشريف في الجاهلية الأولى، بل كان كل منها قد أخذ منه قسطاً وافراً.
لما جاءت النبوة، ودعا رسول الله الناس إلى الله أجابه من بني عبد شمس جمع، كما أجابه من بني هاشم وعاداه كثير من هؤلاء، كما صد عنه كثير من أولئك، إلا أن بني هاشم وبني المطلب حدبا على رسول الله للعصبية القومية العربية حيث حماه أبو طالب كبير بينه، وكان يزاحم بني عبد مناف في الشرف بيوت قرشية أخرى كال مخزوم وآل أسد بن عبد العزى بن قصى.
ولما التمر المشركون على اغتيال رسول الله ﷺ وآله وسلم كان المؤتمر من جميع قبائل قريش إلا أنه لم يكن فيهم من بني هاشم إلا أبو لهب. جاءت الحروب الإسلامية والمشاهد الكبرى النبوية من بدر فيها بعدها، ولم ينل حظ الوقوف بجانب رسول الله ﷺ إلا عدد قليل من بني عبد شمس، وكان القائد الأكبر لقريش في بدر من بني عبد شمس بن عبد مناف وهو عتبة بن ربيعة ورئيسهم في أحد والأحزاب أبو سفيان بن حرب بن أمية بن عبد شمس، ولم يزل الأمر على ذلك حتى تأذن الله يفتح مكة في السنة الثامنة من الهجرة.
وكان أبو سفيان رجلاً عظيماً في نفسه ذا شرف يخشى على قومه أن تصيبهم مكانة أو مذلة ويتبع تلك الصفة غالباً محبة الفخر والذكر، فانهى العباس ذلك إلى رسول الله ﷺ فأعطاه الرسول في ذلك اليوم تأليفاً له وتحبب إليه ما لم يعطه أحداً، وهو أن أمر منادياً ينادي بمكة: من أحمد سيفه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن، ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن فسوى بين بينه وبين بيت الله، وهذا شرف عظيم لم ينل أحد مثله للآن، وفي ذلك اليوم أسلم معظم المتأخرين عن الإسلام من رجالات قريش وذوي النجدة فيها، وكانوا يسمون مشيخة الفتح. وكان رسول الله ﷺ أسر الناس بإسلامهم، كان يقابلهم قائم ذراعيه معائقاً لهم كما فعل بصفوان بن أمية والحارث بن هشام وغيرهم ولم يرسل رسول الله ﷺ أن عفوه عنهم سيكون عيباً لاحقاً بهم يعيرون به في مستقبل أيا مهم.
وعلى الجملة فإن بني أمية انتقلت من سيادتها في الجاهلية إلى سيادة في الإسلام وقد قال عليه الصلاة والسلام، الناس معادن خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا، فاتصلت لهم السيادتان.





المراجعات
لا توجد مراجعات بعد.